أكادير: مائدة مستديرة حول: دبلوماسية المغرب اتجاه غرب إفريقيا: قراءة في الأبعاد الاقتصادية والأمنية والروحية”

في إطار الإشعاع الثقافي و العلمي الذي تضطلع به جامعة ابن زهر عموما وكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكادير على وجه الخصوص، وفي سياق روح المبادرات العلمية التي تبادر بها هذه الكلية، ومواكبة َ للمستجدات على الساحة الوطنية والدولية، نظم فريق البحث في القانون العام والحكامة بنفس الكلية و بالتعاون مع المركز المغربي للدراسات و تحليل السياسات مائدة مستديرة في موضوع : دبلوماسية المغرب اتجاه غرب إفريقيا : قراءة في الأبعاد الاقتصادية والأمنية و الروحية. وذلك يوم السبت 26 أكتوبر2019 ابتداءً من الساعة الثانية والنصف بعد الزوال بقاعة الندوات بكلية الحقوق أكادير. وقد عرفت حضورا مكثفا ومتميزا للأساتذة والطلبة الباحثين و المهتمين إذ بلغ العدد حوالي 300 شخص، كما حظيت بمواكبة إعلامية مهمة جهويا و وطنيا.

واستهلت أشغال هذه الندوة بكلمة ترحيبية تقدم بها الدكتور رضا الفلاح، أستاذ باحث بجامعة ابن زهر ومدير فريق البحث في القانون العام والحكامة إذ رحب في البداية بالسادة المشاركين على تلبيتهم الدعوة وكذا بالأساتذة الحاضرين وبالطلبة على حضورهم الكثيف و الذي يدل على حجم الاهتمام بالمواضيع التي تتعلق بالسياسة الخارجية المغربية و بالعلاقات الدولية عموما. ونوه الأستاذ الجامعي، في خضم كلمته الافتتاحية، بأهمية موضوع هذه المائدة المستديرة التي تعتبر فرصة لتعميق النقاش وتبادل الأفكار في موضوع مرتبط بدبلوماسية المغرب و سياسته الخارجية الساعية إلى كسب و تعزيز المصالح الحيوية للمملكة على المستويين القاري والدولي.

كما رحب بدوره الدكتور الحسين الرامي، رئيس المركز المغربي للدراسات وتحليل السياسات بالسادة المشاركين في المائدة المستديرة وبالسيدات والسادة الحضور، وأشار كذلك إلى أن هذه المناسبة تعد فرصة سانحة لتعميق النقاش من كل الزوايا لهذا الموضوع الذي يكتسي أهمية كبرى بالنسبة للباحثين، للمجتمع المدني ولصناع القرار.

وكانت أولى المداخلات للدكتور محمد أحمد كين، أستاذ باحث بجامعة ابن طفيل القنيطرة ورئيس المعهد الافريقي لبناء السلم وتحويل النزاعات، تحت عنوان “المغرب والتحديات الأمنية غرب إفريقيا: أي دور للفاعلين وطنيا؟”. واستهل مداخلته بالحديث عن علاقة المغرب الأقصى و الكبير بمنطقة الغرب الإفريقي مشددا على أبعاد الترابط الحاصل ما بين شمال إفريقيا و غرب إفريقيا و منطقة الساحل و الصحراء. أشار المتدخل إلى أهمية تفكيك هذه الارتباطات من أجل فهم تشابك التحديات و الديناميات الأمنية على المستوى الوطني و الإقليميي.

وأشار الدكتور إلى أن الأزمات التي تواجه القارة الإفريقية اليوم حسب المتخصصين في الدراسات الأمنية هي أزمات مركبة لا تقتصر فقط على الأبعاد السياسية و الاجتماعية و البيئية على سبيل المثال، بل و تكمن خصوصيتها في إفرازها لعوامل متضافرة و مضاعفة للمخاطر الأمنية على امتداد جغرافي واسع.

وأضاف بالقول على أن هناك ثمة ثلاث أجندات تتقاطع وتغذي بعضها البعض ولها انعكاسات أمنية: الأولى هي أجندات إرهابية والثانية انفصالية والثالثة أجندات شبكات الجريمة المنظمة. هذه الأجندات تزيد من منسوب التحديات ومن أهم نتائجها اتساع نفوذ الكيانات “اللادولاتية” التي تستفيد من ضعف الدولة وانسحابها بالقيام بأدوارها في مجالات شاسعة. وأشار الدكتور كذلك إلى ضرورة الاندماج الإقليمي كحل حقيقي لمواجهة التحديات الأمنية التي لا يمكن التصدي لها على المستوى القطري أو الوطني فحسب.

ومن جهة أخرى أبرز المتدخل وجود محركين أساسيين للسياسة الخارجية للمغرب في السنوات الأخيرة، يتجلى الأول في كونه محرك اقتصادي. بينما المحرك الثاني يتجسد في اتخاذ المغرب لقرار تجاوز المجال الفرنكوفوني والبحث عن علاقات جديدة في المجال الأنجلوفوني في إفريقيا. وأشار الدكتور إلى عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، و طلب الانضمام إلى مجموعة سيدياو CEDEAO وتعزيز وتقوية الحضور في CEN SAD The Community of Sahel -Saharan States. و تعد كلها معطيات دالة ومؤشرة على تطور السلوك الدبلوماسي المغربي أو البراغماتية الإيجابية في السلوك الدبلوماسي.

وركز الدكتور على أن للمغرب مصلحة في الاستتباب الأمني داخل هذه الدول باعتبار أن قيام بؤر توتر في الغرب الإفريقي سيؤثر بشكل مباشر على الوضع الأمني في المغرب من خلال تدفقات الهجرة وسيفرز لا محالة تحديات أكثر من أجل استدامة و تأمين الاستثمارات المغربية و بالتالي مصالح المغرب في هذه البلدان. ومن ثمة ختم الدكتور مداخلته بدور الفاعلين – وهنا نجد ثلاثة فاعلين كبار: الدبلوماسية الرسمية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني – في خلق أثر إيجابي وتعزيز وبناء العلاقات من المنظور المشترك وتقاسم التجارب.

المداخلة الثانية كانت للدكتور سمير بنيس مستشار سياسي في واشنطن ومستشار سياسي سابق لدى الأمم المتحدة والموسومة “كيف ساهمت سياسة اليد الممدودة للملك محمد السادس اتجاه نيجيريا في زعزعة محور الجزائر بريتوريا أبوجا؟” والتي تناول من خلالها بالدرس والتحليل أبعاد التوجه الدبلوماسي الذي نهجه المغرب اتجاه إفريقيا في العقدين الماضيين وكذا المكاسب التي حققها منذ رجوعه إلى الاتحاد الإفريقي.

في مستهل المداخلة، أشار الدكتور إلى أن التوجه الإفريقي للملك محمد السادس ليس اعتباطيا، فهو مبني على قرارات استراتيجية بهدف تحقيق مصالح اقتصادية وسياسية على المدى البعيد، فمنذ وصوله إلى سٌدة الحكم قبل 20 سنة قام بأكثر من 46 زيارة لأكثر من 25 دولة إفريقية وتم توقيع أكثر من 1000 اتفاقية. وأضاف المتدخل أن خلال 13 سنة الأولى، عمل محمد السادس على تثبيت علاقات المغرب مع الدول الحليفة التقليدية خصوصا في غرب إفريقيا بدوافع اقتصادية من أجل تقليل التبعية للاتحاد الأوروبي وأمريكا وللحصول على أسواق للشركات المغربية و من أجل تحقيق التوازن في الميزان التجاري، و قد رافق هذا التوجه اهتمام بتكريس نموذج للتعاون جنوب جنوب يراعي متطلبات التنمية الاجتماعية و البشرية للدول الإفريقية.

ثم ركز الدكتور على مسببات تحول السياسة الخارجية المغربية تجاه إفريقيا حيت أنه منذ أكثر من عقد، بدأ المغرب يعمل على تنويع شراكاته مع مختلف الدول المؤثرة بالإضافة إلى التقرب من الدول الداعمة للأطروحة الانفصالية داخل الاتحاد الإفريقي و التي شكلت ضغطا دبلوماسيا على المغرب و كابحا لمجهوداته و لمجهودات الأمم المتحدة في سبيل التوصل لحل نزاع الصحراء حلا سياسيا و مقبولا من الأطراف . ظهرت الحاجة الملحة للعودة للاتحاد الإفريقي منذ سنة 2013 حين بعثت رئيسة الاتحاد الإفريقي حينذاك تقريرا تدين فيه المغرب بمزاعم استغلال الثروات الطبيعية و اتهامه بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان إذ طالبت بتوسيع صلاحية المينورسو، كما قام الاتحاد الإفريقي بتعيين خواكيم شيصانو المبعوث الخاص للاتحاد الإفريقي المعني بالصحراء. وبعد تعيينه في ماي 2016 قام بتقديم إحاطة لمجلس الأمن حول النزاع كما حاول الاتحاد الإفريقي أن يدرج قضية الصحراء في الاجتماع السنوي الذي يقيمه مع مجلس الأمن بيْد أن الدبلوماسية المغربية قامت بإحباط جميع هذه المؤامرات والمناورات إفريقيا و أمميا.

وأكد المتدخل على أن المغرب عمل على اتجاهين أساسيين من أجل كسب تأييد معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي : الأول هو الخطاب السياسي الموجه للاتحاد الإفريقي والثاني وهو تفعيل الخطاب على المستوى العملي ( أي ما يتبع الخطاب من أفعال ) ولعل أول بوادر النية في الرجوع للاتحاد الإفريقي كانت خلال الخطاب الذي ألقاه الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر2014 و الذي خصص فيه حيزا مهما للحديث عن إشكاليات التنمية في القارة السمراء و حمل المسؤولية للمقاربة النيوكولونيالية السائدة في العلاقة مع إفريقيا. ثم بعد ذلك أشار إلى الخطاب الذي ألقاه العاهل المغربي بمناسبة الذكرى 53 لثورة الملك والشعب في غشت 2016 الذي أوضح فيه أن المغرب يريد العودة للاتحاد الإفريقي و أكد من خلاله عزم المغرب على الدفاع عن القضايا الإفريقية و لعب دور الريادة على الساحة الإفريقية. بعد ذلك في شهر نونبر 2016 ألقى الملك خطابا من داكار بمناسبة الذكرى 41 للمسيرة الخضراء حيث ذكر أن مسألة رجوع المغرب للاتحاد الإفريقي أصبحت خيارا استراتيجيا لا رجعة فيه. وبالموازاة مع هذه الخطابات السياسية قام الملك محمد السادس بزيارة لبعض الدول في شرق إفريقيا مثل تانزانيا ورواندا وإثيوبيا في أواخر أكتوبر. وهي دول تعترف بالبوليساريو، وفي ديسمبر2016 قام جلالة الملك بزيارة إلى نيجيريا وهي أكثر الدول دفاعا على البوليساريو، و بعد هذه الزيارة عرفت العلاقات الاقتصادية بين الدولتين زخما كبيرا في تقارب المصالح و المشاريع الاقتصادية الوازنة نذكر منها على سبيل المثال المصنع الذي أنشأه المكتب الشريف للفوسفاط في نيجيريا لصناعة الأسمدة بالإضافة إلى بناء أنبوب الغاز بين المغرب ونيجيريا.

وأشار بالذكر الدكتور سمير بنيس إلى أنه إلى حدود عام 2015 كانت قضية الصحراء حاضرة في الخطابات التي ألقتها نيجيريا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، غير أنه بعد الزيارة التي قام بها الملك لنيجيريا وبعد رجوع المغرب إلى الاتحاد الإفريقي في سنة 2017 بدأ هناك تغيير غير مسبوق للخطاب السياسي لنيجيريا تجاه المغرب وأصبحت تتجه نحو نهج حياد إيجابي و الوقوف على نفس المسافة بين المغرب والبوليساريو.

وأضاف المتدخل إلى أن الجهود الذي قام بها المغرب من أجل تنويع شراكاته بدأت تعطي ثمارها، فعلى الرغم من أن نيجيريا لم تقم بعد بسحب اعترافها بالبوليساريو غير أن المغرب – على الأقل – استطاع تحييد نيجيريا واستطاع خلخلة “محور الجزائر بريتوريا أبوجا”، وهذا مكسب كبير لدبلوماسية المغرب. وأكد الدكتور بنيس على أن العلاقات الاقتصادية الوطيدة تدفع بالبلدين إلى التفكير قبل القدوم على أي خطوة معادية للطرف الأخر.

وفي الأخير أشار إلى أن المغرب مطالب بالاستمرار على نفس النهج و بمضاعفة مجهوداته الدبلوماسية من أجل كسب تعاطف الرأي العام و المجتمع المدني و الإعلام و الفاعلين الاقتصاديين و اللوبيات الكبرى في نيجيريا و في الدول الداعمة للبوليساريو. إذا تحقق ذلك فإننا سنشهد بالتأكيد خلال السنوات المقبلة مكتسبات دبلوماسية أخرى ومن المنتظر أن تقوم دولا كإثيوبيا و جنوب إفريقيا و هي من الدول الداعمة للبوليساريو أن تحذو نفس حذو نيجيريا.

في ختام هذه المداخلة، تم فتح باب النقاش مع الحاضرين، و قد كان حجم و مستوى التفاعل على قدر أهمية و جودة المداخلات.

عبد الله الساخي

اضف تعليق