لماذا يلجأ المخزن إلى سوس في خضم الأزمات؟

في كتابه التحدي، أكد الملك الراحل الحسن الثاني، أنه كان يتمنى أن يدرس مادة التاريخ في الجامعة، وكشف أنه مولع بعلم التاريخ ويعشق قراءة مؤلفات وامهات الكتب التاريخية، ولكن إرادة والده محمد الخامس الذي نصحه بدراسة القانون لأنه مقبل على الحكم والملك، جعله يغير توجهه الدراسي. وفي فصول كتاب التحدي يعتبر الحسن الثاني أن الدولة المغربية الحالية هي امتداد للدول السابقة، التي تداولت الحكم في تاريخ المغرب، كما بدا اعجابه بالسلطان الموحدي عبدالمومن، وربما ذلك ما جعله يطلق اسم هذا السلطان على سد مائي يقع على سفوح الأطلس الكبير  بقرب من أمسكروض، وهو السد الذي يسقي مدينة أݣادير وتشرب ساكنته وساكنة المدن المجاورة من مائه، كما أطلق الحسن الثاني أيضا، اسم يوسف بن تاشفين على سد يوجد بمنطقة إيرسموݣن ودشنه الملك الراحل شخصيا، وهذا السد يسقي الضيعات الفلاحية الكبرى باشتوكن، ثم يزود ساكنة مدينة تيزنيت بالماء الصالح للشرب، وتشرب منه أيضا ساكنة سيدي إفني حاضرة آيت باعمران الذين هم سلالة قبيلة لمطة، بعد أن مرت قنوات مياهه على زاوية سيدي وݣاݣ بأكلو مؤسس المرابطين. وهكذا نلاحظ أن سكان مدينة أݣادير يشربون من ماء مؤسس الموحدين وساكنة تيزنيت يشربون ماء مؤسس المرابطين.

حين كان الملك الحسن الثاني، يفكر في حسم قرار تاريخي صعب وغاية في الحساسية والأهمية السياسية والاستراتيجية للدولة المغربية الحديثة، اختار مدينة أݣادير لإعلان انطلاق المسيرة الخضراء في خطاب تاريخي. وقبل الاختيار والاعلان، تقول مصادر أن الملك كان في استشارة مستمرة بالفقيه والعالم الولي الصالح، سيدي الحبيب التانلتي، دفين زاويته بتنالت آيت صواب بآيت باها. وتقول نفس الحكايات أنه من الراجح أن يكون سيدي الحبيب هو من اقترح تنظيم المسيرة الخضراء، وحمل المغاربة، نسخ من القرآن، سورة الفتح “إنا فتحنا لك….”. وسيدي الحبيب هذا كان ضمن كتاب وفقهاء احمد الهييبة الذي بايعه اهل سوس والصحراء إبان دخول قوات الاحتلال الفرنسي، وقاد الهيبة حركة جهاد على شكل إمارة سياسية دخل بها مراكش سنة 1912. وهي الحركة التي اندحرت امام جيوش فرنسا في وقعة سيدي بوعثمان من نفس السنة، بعد خطأ استراتيجي قاتل، لأحمد الهيبة الذي أمر أتباعه بالإتجاه إلى فاس. وكان السوسيون يريدون استنساخ تجربة السعديين في جهادهم ضد البرتغال للوصول إلى فاس، ولكن لم يضعوا في حسبانهم تغير الظروف التاريخية، واصطدموا بصواريخ فرنسا وسلاحها المدمر.

إن نجاح الحسن الثاني في كسب ود صلحاء وعلماء سوس المحسوبين على حركة أحمد الهيبة، واشراكهم في اتخاذ قرار المسيرة الخضراء واختياره لمدينة اݣادير لإعلان خبر وخطة المسيرة، لتحرير الصحراء من الاستعمار الاسباني، كان بمثابة عملية سياسية كبرى، ليس في نجاح المسيرة الخضراء فقط، وإنما أيضا في استقطاب اهل سوس وجعلهم في صلب المبادرة، لضمان نجاحها، وذلك لعدة اعتبارات، يطول شرحها، اولا لأن سوس كانت فيها إمارة تازروالت عاصمتها إليغ، كانت لها ادوار تاريخية وطلائعية، تجاريا واقتصاديا وسياسيا، ونسجت علاقات وطيدة مع الصحراء، ولها نخب دينية وصوفية وعلمية كبيرة، انتشرت في مجموع قبائل سوس، وهي ارث المرحلة السعدية، وهي نخب انجبت جيش من الطلبة والتلاميذ، توراثوا العلم والفقه والسلطة ايضا، عبر الاجيال، وهو ما ساعد بروز وصعود حركة أحمد الهيبة بسرعة. بمعنى توجد خلفية تاريخية جعلت من سوس مشتل للحركات والبدائل السياسية التي تأخذ زمام الأمر في ظل الأزمات. وهذا ما يجعل المخزن عبر التاريخ يراقب سوس ويتوجس كثيرا من السواحل والموانئ على طول خريطة سوس والصحراء، لمنع الاتصال بين سوس والدول الاجنبية التي تملك البارود، وتبحث عن أسواق جديدة لبيعه، خاصة وأن سوس يزخر بالمعادن الكثيرة التي يبحث عنها الاوروبيون، وهذا ما يفهم من غلق السلطان محمد بن عبدالله لميناء أݣادير، وسبب مشاكل اقتصادية كبيرة لسوس، وفتح ميناء الصويرة واستقدم اليه اليهود لترويج التجارة ووضعهم كوساطة مع التجار الأجانب، والتضيبق على إمارة إليغ التي كانت تعتمد على ميناء أݣادير. اجمالا حين ينزل المخزن إلى سوس إلا ويحضر بينهما التاريخ.

إن الحديث اليوم عن سوس، يأتي في سياق مماثل، يطغى عليه خطاب وجود أزمة، والبحث عن نموذج تنموي جديد، بعد إعلان رسميا عن فشل النموذج الحالي. ولابد أن نسجل هنا، فكرة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي اشتغل بها المغرب منذ سنة 2005، هي نابعة من دراسات انجزت حول الجمعيات التنموية التي كانت تشتغل على الأوراش والمشاريع التنموية المحلية طيلة التسعينيات وبداية سنة 2000، حيث انتشرت الجمعيات في الدواوير والقبائل تنجز مشاريع الطرق والماء وترمم المدارس، بعد اقتناع الساكنة بعدم جدوى انتظار الدولة التي قامت بتهميش البوادي وساكنتها وجعلتها تعاني من إقصاء وعزلة وهشاشة، وهذا العمل التضامني الجمعوي في سوس، ما هو الا صيغة مجددة لاستمرار العمل بأعراف تيويزي، وأدوال وغيرها من القيم الأمازيغية المنغرسة في المجتمع، ولكن الدولة حين اقتبست هذه الأفكار، قامت بالاشتغال بها داخل وزارة الداخلية، وافقدتها من الروح، وجعلتها مبادرة بين أيادي رجال السلطة وتعاني من البيروقراطية وأداة للسلطوية، وهذا ما يتنافى مع روح التضامن الجماعي.

 الحديث عن سوس في سياق المغرب الآن، يمكن أن نلخصه في عدة أمور، وهي :

– هو انعكاس عن صراع السلطة مع الاسلام السياسي، وفشل خطة A سنة 2016،  للتصدي انتخابيا للحزب الذي يمثل الإسلاميين الذين يشاركون في العمل السياسي الحزبي ثم الانتخابات. وبالتالي نجح هؤلاء الإسلاميين في قيادة الحكومة الثانية بعد دستور 2011.

– حراك الريف الذي جاء بعد فشل خطة A لمواجهة الإسلاميين في الانتخابات، وكان يقود هذه الخطة زعماء من الريف ومن منطقة الحسيمة بالذات، وهي نخب كانت محسوبة على اليسار المعارض فيما قبل، وتزعمت هذه الخطة الجديدة، وان كانت جميع الابواب فتحت لهذه النخبة ليس فقط لمواجهة الإسلاميين وإنما أيضا لاستقطاب ابناء الريف وجعلهم على واجهة الاحداث السياسية الكبرى، للمساهمة فيما يشبه المصالحة بين المخزن والريف. لكن هذه النخبة فشلت سياسيا ومحليا، ولم يسقط الاسلاميين ولم تحصل المصالحة مع الريف، بل زادت العلاقة بين المخزن والريف في التوتر بفعل الحكم القاسي جدا على المعتقلين. زعماء الحراك.

– الحديث عن سوس، أيضا جاء في وقت يعيش فيه سكان سوس اوقات عصيبة جدا، نتج عنها غضب شعبي كبير وغير مسبوق أدى إلى اندلاع مسيرات كبرى في عدة مدن، البيضاء، الرباط، أكادير تزنيت، تارودانت، ضد سياسة الدولة لنزع الاراضي واغتصابها من ملاكها الحقيقيين، وأيضا ما تعرفه مناطق سوس من حراك بسبب ما يسمى بالرعي الجائر الذي أدى إلى وقوع اصطدامات عنيفة بين السكان و الرعاة، الذين يأتون من الصحراء تحديدا، هذا دون أن ننسى ايضا نزع الاراضي من قبل عصابات العقار داخل احواز المدن والسواحل بسوس لفائدة مستثمرين كبار يعتمدون على النفوذ.

– الحديث عن سوس، جاء بعد وقت طويل من الصمت، وتجاهل الدولة لمطالب ساكنة سوس وتفاقم مشاكلها، تهميش وتفقير وعزلة، إضافة إلى أزمة العطش التي تفاقم من وضع عيش الساكنة وتجعلها تهاجر إلى تخوم المدن داخل سوس وخارجه. كل هذا واكبه خطاب سياسي معارض للدولة والاحزاب، تقوده في الغالب حركة امازيغية شبابية، تحمل خطابا احتجاجيا يضع الأرض والموارد والثروات على قائمة المطالب الشعبية، هو خطاب مؤطر بالثقافة اصبح يتحدث عن خريطة المعادن الكثيرة والوفيرة في جبال سوس وهضابه، وهو خطاب ينطلق من مفارقة ومن تناقض رئيسي لماذا سوس مهمش وساكنته تهاجر بسبب الفقر في الوقت الذي يتمتع سوس بثروات هائلة وبموارد كبيرة ومتعددة لا توجد في مناطق اخرى بالمملكة، وذلك ما تؤكده احصائيات رسمية تشير الى مساهمة سوس بمعدلات مرتفعة فالانتاج الوطني، فلاحيا وبحريا …وهذا ما يطرح سؤال أين الثروة؟ ومن يستفيد من ثروات سوس.

– كل هذا نجد له انعكاس على مرآة السياسية، ونجد إن الحديث عن سوس جاء في عهد رئيس الحكومة ينتمي إلى سوس، حينها يمكن لنا أن نتسائل، لماذا تم اللجوء الى سعد الدين العثماني وهو رئيس مجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، ليتولى رئاسة الحكومة مكان عبدالاله ابن كيران الذي كان امينا عاما للحزب، وإذا عدنا إلى مرحلة البلوكاج الحكومي الذي دام عدة أشهر، فإننا نكاد نجزم، انه لم يكن ذلك التغيير لولا الدور الكبير الذي لعبه عزيز أخنوش الذي جيء به بشكل فجائي وبسرعة لانقاد الموقف على رأس حزب استقل منه نهائيا سنة 2012، وهو حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو نفسه الذي قاد المفاوضات مع العثماني فيما بات يعرف بلقاء أليوتيس. وهنا اتضحت مرة أخرى أن الاتجاه نحو سوس في ظل أزمة سياسية كبرى كان استراتيجيا، وقاد هاذان السوسيان، اخنوش والعثماني، بنجاح كبير، مرحلة سياسية  انتقالية دقيقة جدا، واعطت النتائج المنتظرة منها، وليس هذا فقط، وإنما لعب السوسيون داخل البيجدي دورا كبيرا للإطاحة بابن كيران في الأمانة العامة.

– في خضم هذا السياق، الذي نحن بصدده، صعد سوسي آخر إلى واجهة الأحداث، داخل حزب الأصالة والمعاصرة الذي يحتل الرتبة الثانية داخل البرلمان من حيث عدد المقاعد، وهو عبداللطيف وهبي الذي انتخب بعد مسار عسير امينا عاما للحزب، لتعويض بنشماش المحسوب على تيار الريف داخل الحزب، وهما بغض النظر عن المنطقة، فانهما ينتميان إلى تجربة اليسار سابقا، وكيفما كانت مواقف وهبي ومهما تحدث عن القطائع الثلاث في مشروع ورقته السياسية، إلا أنه يدخل ضمن هذه الخطاطة التي وضعناها لهذه المقالة، وهي ان اللجوء إلى وهبي القادم من سوس في ظل أزمة ذاتية وداخلية لحزب البام وفي ظل أزمة سياسية بالمغرب تتمثل في فقدان المغاربة الثقة في الأحزاب والعمل السياسي. وانتقال زعامة البام من الريف إلى سوس يتماشى مع السياق العام الذي يتحدث عن كون أݣادير توجد وسط المغرب.

سيطرة العدالة والتنمية على جل المجالس المنتخبة في سوس، وتغوله في المجتمع، ليس لأن السوسيين يتماهون مع ايديولوجية الاخوان المسلمين، وإنما طبيعة المجتمع بسوس  الذي ينزاح دائما إلى العمل والاشتغال داخل نسق معارض، هي التي مالت الكفة تجاه حزب العدالة والتنمية الذي كان معارضا وجاءت به حركت 20 فبراير إلى الحكومة، وحرس ابن كيران كثيرا على  المحافظة على هوية الحزب المعارضة بالرغم من كونه رئيسا للحكومة.

بمعنى أدق، سوس يعاني من حرمان سياسي حقيقي. والدولة تستغل هذا الحرمان وفق مصالحها وفي سياقات سياسية مختلفة ومتحركة، ولكن عنوانها الدائم، سوس هو البديل.

عبد الله بوشطارت

اضف تعليق